حلاقي الذي لجأ اهله من يافا منذ خمسين سنة شاب عصامي ومكافح. وهو في العادة مقل في الكلام ويفخر بحرفته ويأخذ وقته في قص وتهذيب شعري ويكون عادة شديد اللباقة في الإشارة الى الزيادة النوعية للشعر الأبيض على حساب نقيضه. ومع انني لا اعرف عن حلاقي الا القليل الا انني اكن له احتراما ومودة. فانا في العادة لا اسلم رأسي لأيا كان ولي تجارب بعضها مروع مع حلاقين أقحموا أنفسهم فيما ليس لهم فيه نصيب من علم او تجربة فظلموني كثيرا.
وكغيري من الرجال يلعب الحلاق دورا هاما في حياتي الاجتماعية والاقتصادية. وفي ذاكرتي بقايا ذكرى اول مرة ذهبت فيها الى محل للحلاقة في القدس القديمة. اذكر محلا بباب خشبي صغير يفضي الى غرفة مربعة ذات سقف عال يتسلل اليها ضوء الشمس خافتا خجولا وتعبق هوائها رائحة الصابون المعطر والكولونيا المستوردة والبودرة والمجلات القديمة. كان محل الحلاق هذا نقطة تجمع وتبادل لآخر الاخبار، وكان بعض المارة يتوقف ليلقي التحية على "المعلم" وزبائنه قبل ان يمضي لحاله.
وعلى عكس حلاقي اليوم كان "المعلم" لا يكف ابدا عن الكلام بينما هو مشغول في إعمال المقص وكان يبدو لي، وانا طفل جالس على لوح خشبي وضع خصيصا على ايدي كرسي الحلاقة ليرفع من شأني، ان هذا الرجل كان خبيرا في كل شيء وانه اهم رجل في الحي. فهو يعرف كل الاخبار ويعيد سردها على الزبائن دون ملل بعد ان يضيف و ينقص حسب الحاجة بغرض الإبقاء على انتباه الحاضرين.
لا اذكر ان الحلاقين الذين عرفتهم وانا صبي كانوا في العادة شبابا بل ان جلهم كانوا رجالا وقورين اشتعل الشيب في رؤوسهم او تقهقر خط الشعر تاركا ورائه صلعة لامعة. وكنت اسأل نفسي كثيرا: ترى من يحلق للحلاق؟ وكان هناك مساعدون او "صبيان" يفعلون ما يؤمرون
























